السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
347
مختصر الميزان في تفسير القرآن
فقد ظهر : أن وجود الخطورات المنافية للعقائد اليقينية لا ينافي الإيمان والتصديق دائما ، غير أنها تؤذي النفس ، وتسلب السكون والقرار منها ، ولا يزول وجود هذه الخواطر إلا بالحس أو المشاهدة ، ولذلك قيل : إن للمعاينة أثرا لا يوجب مع العلم ، وقد أخبر اللّه تعالى موسى في الميقات بضلال قومه بعبادة العجل فلم يوجب ذلك ظهور غضبه حتى إذا جاءهم وشاهدهم وعاين أمرهم غضب وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره اليه . وقد ظهر من هنا ومما مر سابقا أن إبراهيم عليه السّلام ما كان يسأل المشاهدة بالحس الذي يتعلق بقبول أجزاء الموتى الحياة بعد فقدها ، بل انما كان يسأل مشاهدة فعل اللّه سبحانه وأمره في إحياء الموتى ، وليس ذلك بمحسوس وان كان لا ينفك عن الامر المحسوس الذي هو قبول الاجزاء المادية للحياة بالاجتماع والتصور بصورة الحي ، فهو عليه السّلام انما كان يسأل حق اليقين . قوله تعالى : قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً ، صرهن بضم الصاد على إحدى القراءتين من صار يصور إذا قطع أو امال ، أو بكسر الصاد على القراءة الأخرى من صار يصير بأحد المعنيين ، وقرائن الكلام يدل على إرادة معنى القطع ، وتعديته بإلى تدل على تضمين معنى الإمالة . فالمعنى : اقطعهن مميلا إليك أو أملهن قاطعا إياهن على الخلاف في التضمين من حيث التقدير . وكيف كان فقوله تعالى : فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ ، الخ ؛ جواب عن ما سأله إبراهيم عليه السّلام بقوله : رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى ، ومن المعلوم وجوب مطابقة الجواب للسؤال ، فبلاغة الكلام وحكمة المتكلم يمنعان عن اشتمال الكلام على ما هو لغو زائد لا يترتب على وجوده فائدة عائدة إلى الغرض المقصود من الكلام وخاصة القرآن الذي هو خير كلام ألقاه خير متكلم إلى خير سامع واع ، وليست القصة على تلك البساطة التي تتراءى منها في بادي